الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

52

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

من أحد الرواة عن البراء ، فإن أوّل قتل في سبيل اللّه وقع في غزوة بدر وهي بعد تحويل القبلة بنحو شهرين ، والأصح ما في حديث الترمذي عن ابن عباس قال « لما وجّه النبي إلى الكعبة قالوا يا رسول اللّه كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس » الحديث فلم يقل : ( الذين قتلوا ) . فالوجه في تفسير هذه الآية أنها تهيئة للمسلمين للصبر على شدائد الحرب ، وتحبيب للشهادة إليهم . ولذلك وقع التعبير بالمضارع في قوله : لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ المشعر بأنه أمر مستقبل وهم الذين قتلوا في وقعة بدر بعيد نزول هذه الآية . وقد تقدم القول في نظير هذه الآية عند قوله تعالى : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ [ البقرة : 45 ] الآية إلّا أنا نقول هنا إن اللّه تعالى قال لبني إسرائيل : إِنَّها لَكَبِيرَةٌ علما منه بضعف عزائمهم عن عظائم الأعمال وقال هنالك إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ ولم يذكر مثل هذا هنا ، وفي هذا إيماء إلى أن المسلمين قد يسر لهم ما يصعب على غيرهم ، وأنهم الخاشعون الذين استثناهم اللّه هنالك ، وزاد هنا فقال : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ فبشرهم بأنهم ممن يمتثل هذا الأمر ويعد لذلك في زمرة الصابرين . وقوله : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ تذييل في معنى التعليل أي اصبروا ليكون اللّه معكم لأنه مع الصابرين . وقوله : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ عطف النهي على الأمر قبله لمناسبة التعرض للغزو مما يتوقع معه القتل في سبيل اللّه ، فلما أمروا بالصبر عرفوا أن الموت في سبيل اللّه أقوى ما يصبرون عليه ، ولكن نبه مع ذلك على أن هذا الصبر ينقلب شكرا عندما يرى الشهيد كرامته بعد الشهادة ، وعندما يوقن ذووه بمصيره من الحياة الأبدية ، فقوله : وَلا تَقُولُوا نهي عن القول الناشئ عن اعتقاد ، ذلك لأن الإنسان لا يقول إلّا ما يعتقد فالمعنى ولا تعتقدوا ، والظاهر أن هذا تكميل لقوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [ البقرة : 143 ] كما تقدّم من حديث البراء فإنه قال : « قتل أناس قبل تحويل القبلة » ، فأعقب قوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ بأن فضيلة شهادتهم غير منقوصة . وارتفع أَمْواتٌ على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي لا تقولوا هم أموات . و بَلْ للإضراب الإبطالي إبطالا لمضمون المنهي عن قوله ، والتقدير بل هم أحياء ، وليس المعنى بل قولوا هم أحياء لأن المراد إخبار المخاطبين هذا الخبر العظيم ،